سهيلة عبد الباعث الترجمان
790
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
كما أن الجزائري يقف موقفا خاصا من نقد الجيلي لابن عربي في المسائل الثلاث التي أحصاها البيطار في " عروس البها " فقال مدافعا عن ابن عربي : " اعلم أن الإمام الكبير العارف باللّه الكامل عبد الكريم الجيلي رضي عنه ، انتقد في كتابه الإنسان الكامل على الشيخ الأكبر محي الدين ثلاث مسائل ، إحداها في باب العلم ، وثانيها في باب الإرادة والاختيار ، وثالثها في باب القدرة . لا أدري كيف احتجب وجه هذه المسائل الثلاث عن الإمام الجيلي رضي اللّه عنه ، ومن أين جاءته هذه الغفلة ، فإن مرماه غير مرمى سيدنا الشيخ الأكبر . . . " « 1 » . ويعتبر الأمير عبد القادر الجزائري من أوسع المتأخرين علما ، وأعلمهم ذوقا وفهما بطريق الصوفية ، وله ذوق رفيع وقدم عالية لم توجد عند غيره من المتأخرين ، وخاصة في فهم كلام الشيخ الأكبر . وقد جاءت كتابته توضيحا وتفصيلا لكثير من آراء الجيلي ومراميه ، مما يبين لنا أنهما يشربان من عين واحدة ، وإن كانت طريقة الجيلي في بث علومه الانغلاق في العبارة ، على حين استخدم الجزائري الرمزية كالجيلي أحيانا . وإنما يأتي بالعبارة بطريق الإشارة الواضحة القريبة الفهم ، وكثيرا ما تطرّق في مواقفه إلى الإنسان الكامل بعبارات واضحة المعالم ، سهلة الأسلوب ، قريبة المأخذ ، بل ويمكن القول بأن المواقف هي مفتاح الإنسان الكامل للجيلي ، كما أن هناك تشابها في الأسلوب بين المتصوفين الثلاثة ابن عربي والجيلي والجزائري لما يوجد من تناسق في العبارة ، ولكن المفهوم يأخذ معاني شتّى ، وذلك حسب إمكانية القارئ ونفاذ بصيرته وسعة مرماه « 2 » . وقد تابع الجزائري ابن عربي في قضية العلم حيث انتهى إلى ما انتهى إليه ابن عربي بأن العلم تابع للمعلوم ، كما أن الوحدة المطلقة هي عبارة عن علمه تعالى ذاته بذاته في ذاته ، فعلمه تعالى لذاته هو العالم والعلم والمعلوم ، وفي هذا الموقف يختلف مع الجيلي ويوافق ابن عربي ، لهذا كان من أقدر الصوفية على مجاراة ابن عربي والتأثر به ، والدفاع عنه ضد أي لبس أو سهو في أفكاره لأنه ليس محلا لذلك .
--> ( 1 ) الجزائري ( الأمير عبد القادر ) ، المواقف ، الجزء الثالث ، ص 67 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 7 .